منقول عن موقع الفنان فلاح صبار
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=33836...
فلاح صبار
falahs@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 1142 - 2005 / 3 / 20
" إن النغم والأغاني فضيلة شريفة,كانت خفيت عن النفس
ليست في قدرته فلم يقو على إخراجها.فأخرجتها النفس ألحانا "
أحد الفلاسفة
( 6 )
شئ عن أثر الحضارات في الغناء العربي :
لايمكننا القول , بأن هناك امة لم تتأثر أو تؤثر في امة اخرى . كان لهذه الأمم ان تضع نصب أعينها مصلحتها الخاصة كي تنمو, ولذا عليها ان تتفاعل بما جاورها من الحضارات وفي كافة مرافق الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والأدبية . و نستطيع ان نؤكد بأن مراحل التاريخ الموسيقي وتطوره مر بأشواط طويلة قبل ان يصل الى صياغة الأشكال والقوالب الموسيقية ذات العناصر الهندسية المشذبة المهذبه, فلكل منجز أدبي أو فني معاصر جذره الموغل في القدم .. في جذره التاريخي
ويؤكد لنا تاريخ الموسيقى وخبراؤها , ان المحاولات الأولى في كتابة الموسيقى كانت غنائية ,أي محددة في تأليف الميلوديا للحنجرة البشرية , اي التأكيد على الصوت البشري, إذ اقتصر دور الآلة الموسيقية على مساندة المغني , حيث تعزف له اللوازم الموسيقية , و لا يخرج دور الآلة عن سوى المصاحبة للمغني. ان الأثرالذي تركته ثقافات الأمم فيما بينها , يجعلنا في شك بوجود أدب وفن نقي مائة في المائة . وقد يتلمس الخبير بعضا من سمات أوملامح ما , في المنجز الإبداعي الذي تنجزه أمة معينة , قد تدله على هوية هذه الأمة. فلو إنطلقنا من غناء العرب قبل الإسلام , لرأينا ان الجزيرة العربية امتلكت الكثير من الصلات والعلاقات مع الأمم المجاورة لها والبعيدة عنها , فأثرت وتأثرت وأخذت وأعطت. فكان في الجزيرة العربية , الأديان السماوية كاليهودية والمسيحية والمجوسية و الوثنية أيضا ,كما كان للرقيق الفارسي والرومي والحبشي حضوره المتميز ! وكان لهذا التواجد والخلطة المتنوعة من الحضارات , تأثيرا بيّنا في غناء العرب . ذكرنا سابقا بأن الأساطير تقول : إن أول من إتخذ العود لامك بن متوشلخ بن محويل......بن آدم وإتخذ توبل بن لامك الطبول والدفوف..وعملت "ضلال أو دلال" بنت لامك أوأ خته القيثارة والمعازف ..وهنا يبدو جليا ما للمرأة من دور متميز,حيث
كانت عازفات القيثار نساء على النحو الذي ظهر في النقوش المكتشفة عن حضارة وادي الرافدين , ثم اتخذ قوم لوط الطنابير. يقول الاستاذ الفاضل علي الشوك في كتابه " الموسيقى بين الشرق والغرب" إستنادا لمصادره : لقد ورد أقدم ذكر للموسيقى العربية في نص آشوري يرقى الى القرن السابع ق.م . جاء فيه ان الأسرى العرب كانوا يغنون اغاني الكدح ويعزفون على نحو أخذ بمجامع قلوب اسيادهم الآشوريين,فكانوا يطلبون منهم المزيد.
الأثر الفارسي:- كان اثر الفرس واضحا في الغناء العربي الجاهلي. فكان سادات وتجار العرب يذهبون الى فارس لغرض التجارة . وكان للفرس الكثير من الملاهي حيث بلغت مرتبة راقيه من الإعداد المتميز . لقد ساق الجاحظ في كتابه " التاج في أخلاق الملوك " حديثا طويلا عن مراتب طبقات الندماء والمغنين في حضرة ملوك العجم, أشار فيه صراحة الى إن الفرس قد سبقوا العرب في هذا المضمار وان العرب قد تأثروا بذلك. ( ملاحظة : كان للهند الدورالأكبر و الأهم في نقل العلوم والأدب والموسيقى لبلاد فارس) وكان من الطبيعي ان يكون للعرب الذين توافدوا على بلاد فارس أن يتأثروا ويتمتعوا بذلك. إن اتصال العرب ولفرس تبين أثره في رحلتين اولاهما قام بها عبد الله بن جدعان فقد ذكر ابن الفضل العمري في مسالك الأبصار انه : " أتى كسرى ملك آل ساسان وسمع عنده غناء الحسان وشدا جانبا مما سمع" ومعروف ان ابن جدعان كان يمتلك في داره الكثير من القيان. فقد ذكر الخوارزمي : ان ابن جدعان نخّاس. وهذا يعني ان بيته كان " مأوى لطلاب المتعة " , أما قيانه فهن كثر واشهرها " الجرادتين أو جرادتي عاد " وقد وهبهما الى اميّة بن الصلت . وثانيهما.. النفر بن الحارث فقد ذكر الزمخشرى في " تفسير الكشاف" انه كان يتجر الى بلاد فارس , فيشتري كتب الأعاجم ليحدث بها قريشا, وكان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلّا إنطلق به الى قينته فيقول : أطعميه وإسقيه وغنّيه.. ثم يقول : هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصوم والقتال بين يديه. ولابد من الإشارة الى أثر الحيرة في قيانها ومجالس غنائها في وفود العرب وتجارهم.فقد كانت المغنية "بنت عفزر " تمتلك أروع حانة يؤمّها الوافدون على النعمان فينعمون بالشراب والسماع. وقد ذكر فارمر في كتابه " تاريخ الموسيقى العربية " : ان العود الخشبي إقتبسه العرب من الحيرة بدل عودهم الجلدي. ولقد وضّح الشعر الجاهلي الأثر الفارسي في مجالس الغناء وآلات العزف وملابس القيان وحليّهن, حيث يقول الأعشى في وصف احد هذه المجالس:
لنا جّلّسان عندها وبنفسج وسيسنبر والمرزجوش منمنما وشاه سفرم والياسمين ونرجس يصبّحنا في كل دجن تغيما ومستق سينين وون وبربط يجاوبه صنج اذا ما ترنما وقد أخذ العرب بعض آلات الفرس او اسما ؤها وأشهرها ..الصنج والبربط . وجاء في مناهل الأدب العربي : "وبلغ الينا شيء من اخبار القيان في مكة ويثرب، وفي قصور الغساسنة وآل المنذر، وقد يكون هذا الغناء ترنماً بالشعر أو إنشادا، كما ترنمت المغنية بشعر النابغة في يثرب، وقد يكون غناء متقن الصنعة، وهو عندئذ غناء الجواري الروميات او الفارسيات يسمعه العرب ويطربون له دون ان يفهموه".
الأثر الرومي :-
كان شعراء العرب وتجارهم وزعمائهم يفدون على غسان وبلاد الروم. وكان في الجزيرة العربية رقيق رومي من العبيد والإماء.
يقول حسان بن ثابت عن ليالي جاهليته مع جبلة بن الأيهم قال : لقد رأيت عشر قيان , خمس روميات يغنّين بالرومية .. بالبرابط " الأعواد " , وخمس يغنّين غناء اهل الحيرة , واهداهن إليه إياس بن قبيصة. وكان يفد اليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها .كان وجود القيان ميسورا لذوي الشأن من التجار والزعماء في الجزيرة وغيرها من المدنيات , وكّن روميات وحبشيات وفارسيات وما شابه ذلك. يقول الأصفهاني: إن الأعشى كان يزور أساقفة نجران ويمدح العاقب والسيد..وهما ملكا نجران, ويقيم عندهما ما شاء فيسقونه الخمر ويسمعونه الغناء الرومي.
يقول فارمر: إن كريمر "وهو مؤلف موسيقي" يقول: إنه من الأرجح ان هؤلاء النسوة المغنيات ,كن يغنين في بادئ الأمر بلغتهن الرومية او الفارسية لا العربية.
ويؤكد فارمر انه من العسير تأكيد ان كافة القيان كن أجنبيات..ويقول فيما يقول :- انه من البعيد ان يستسيغ العربي الإصغاء لحظة واحدة الى الشعر العربي حينما يغنيه فم أجنبي,لا يقدر على أداء الحروف والأصوات ذات العلاقة الوثيقة بالشعر.
وينبغي القول بأن هناك العديد من المغنيات اللواتي كن من أصل عربي أو عربيات من حيث التعليم والتهذيب, كالقينة التي غنت بأشعار النابغة الذبياني..
أمن آل ميّة رائح أو مغتدي .....عجلان ذا زاد وغير مزود ........ فأدرك ان بشعره إقواء فأضطر لتعديله بعد ان فطن لذلك حيث قال:
قدمت الحجاز وفي شعري ضعة ورحلت عنها وأنا أشعر الناس . " المرزباني – في الموشح "
- و المثال التالي لهو دليل ناصع على بعض مميزات اللحن الرومي وعبقرية اسحاق الموصلي.
حدث إسحاق بن إبراهيم الظاهري قال: حدثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولاي الذي علمني الغناء فرّاش رومي، وكان يغني بالرومية صوتاً مليح اللحن، فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر صوت من أصواتك العربية حتى أمتحن بن الموصلي إسحاق فأعلم أين تقع معرفته، ففعلت ذاك. وصار إليه إسحاق فاحتسبه مولاي فأقام، وبعث إلي أن أدخلي اللحن الرومي في وسط غنائك ؛ فغنيته إياه في درج أصوات مرت قبله، فأصغى إليه إسحاق وجعل يتفهمه ويقسمه ويتفقد أوزانه ومقاطعه ويوقع بيده، ثم أقبل على مولاي وقال: هذا الصوت رومي اللحن، فمن أين وقع لك؟ وكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئاً أعجب من استخراجه لحناً رومياً لا يعرفه ولا العلة فيه وقد نقل إلى غناء عربي وامتزجت نغمته حتى عرفه ولم يخف عليه. "التذكرة الحمدونية " ابن حمدون
كان في حكم اليقين , ان هناك تأثير متبادل فيما بين الأمم وعلى كافة المستويات الإجتماعية والفنية , ولا أدل من ذلك .هو التسمية التي أطلقها العرب على العود وهي لفظة "الكران " بكسر الكاف , فاشتقوا اسم "الكرينة" على ضاربة العود.
الأثر الحبشي : -
لقد كان للأحباش وجود كبير في بلاد العرب.. وجود يحمل في اعماقه معان متعددة الوجوه اجتماعيا ونفسيا أثّر فيما يحيط به. حيث كان من الثابت ان يحملوا معهم ماورثوه من تركة ادبية, وما حفظوه من موسيقاهم وغنائهم ورقصهم. فقد روي عن السيدة عائشة حديثان يشيران الى إن الأحباش كانوا يلعبون " بالدرق والحراب " , وإن الرسول " ص " شهد معها لعبهم ورقصهم, قالت : والله لقد رأيت رسول الله يقوم على باب حجرتي, والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله.. وهو يسترني بثوبه أو بردائه لكي أنظر الى لعبهم , ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف ." الغزالي –الإحياء" وكان "أنجشة " مولى النبي حسن الصوت حيث كان يحدو للنساء. وإن "بلالا" كما هو معروف كان اول مؤذن في الإسلام. يقول العقاد في "بلال – داعي السماء ": كان بلال عبدا يسوق الإبل وعلى الأرجح كان يتغنى بالحداء " كان الحداء هو الغناء الأول " ويعالج النغم البسيط , ولكنه أي بلال .. بسليقته الإفريقية ربما وجد من وقته متسعا لترديد الأصوات المركبة, واستطاع من ثم ان يلقي الآذان في الحانه المعروفة, ولا يستبعد ان يكون بلال قد سمع الآذان وصاغ منه اللحن الذي أوحته له سليقته الإفريقية. ولقد أثّرت الهجرة الى الحبشة في بعض المسلمين. فقد روى القنائي في الجواهر الحسان في تاريخ الحبشان : ان جعفرا بن ابي طالب, لما قدم على النبي عام 7 للهجرة احتفى به النبي فصار جعفرا يحجل حوالي النبي وقيل صار يرقص.
الأثراليهودي والمسيحي :-
لقد كانت كلتا الديانتين موجودتين في بعض انحاء الجزيرة العربية. وكان لهما أماكن عبادة يؤمونها ولهم شعائرهم الدينية الخاصة. ويبدو واضحا ان عنصري الغناء والترتيل يلعبان دورا مهما في اداء تلك الشعائر الدينية,وما يرافقها من رقص اثناء ترتيل كتبهم . وقد عرف العرب هذا الضرب من الغناء الديني وخير دليل ما لدينا من كنوز الشعر الجاهلي والأسلامي. يقول الشاعر الحارث بن عباد في وصفه لرسم دار ليلى: زعزعته الصبا فأدرج سهلا ثم هاجتله الدّبور نحيلا فكأن اليهود في يوم عيد ضربت فيه روقشا وطبولا
( وقد أعتاد يهود بعض المناطق على النفخ في أبواق خاصة للإعلان عن دخول السبت ، أو إطلاق صفير خاص للإعلان عن لحظة إشعال الشموع. وعادة النفخ في البوق - لهذا الغرض - هي من العادات القديمة جداً عند اليهود . ففي " الجمارا " ، يروى أنهم كانوا ينفخون في البوق ست نفخات عشية السبت ، لحث جميع اليهود على إنجاز ما بأيديهم من أعمال . ويودع اليهود السبت بمراسم خاصة تناسب مكانة هذا اليوم الذي أستقبله الجميع استقبال ملكة أو " عروس " . فبعد غياب شمس يوم السبت ، وحلول الظلام ، وظهور النجوم في السماء ، تغنى الأم مرحبة باستقبال أسبوع جديد ، وتمدح الرب وتحمده على أفضاله ونعمه التي يسبغها عليهم).
ومن المؤكد ان بني النضير كانت لهم قيان يعزفن بالدفوف والمزامير , وانهم حينما اجلاهم الرسول الى خيبر, استقلوا بنسائهم وابنائهم واموالهم معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم . و لقد تأثرت الموسيقى العربية في موسيقى الكنيسة الشرقية والغربية على السواء. ومن هنا استطاعت الكنيسة الشرقية وكنائس الروم التي استخدمت اللغة العربية الى جانب اللغة السريانية الأساسية في اغانيها الدينية ان تتغلغل في نفوس الناس اكثر من الكنيسة الغربية التي ادركت بأن عليها استخدام اللغة العربية لتستطيع ان تحقق غرضها الديني الذي تعمل من اجله , وهكذا بدا تعريب الغناء الديني الغربي , وكان نتيجة ذلك إثراء الغناء العربي عموما.
استراحة
محبوبة جارية المتوكل : - - كانت مولدة، شاعرة، مغنية، متقدمة في الحالتين على طبقتها. حسنة الوجه والغناء، أهداها عبد الله بن طاهر إليه لما ولي الخلافة في جملة أربع مائة جارية قيان فتقدمتهن عنده، فلما قتل صارت إلى وصيف، فلزمت الصمت وفاء للمتوكل، حتى أراد وصيف قتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعطاه إياها فأعتقها، وقال لها: أقيمي حيث شئت، فانحدرت من سر من رأى "سامراء " إلى بغداد، وأخملت نفسها حتى ماتت. يقول إبن خرداذبة : حدثني علي بن الجهم قال:
كنت يوماً بحضرة المتوكل، وهو يشرب ونحن بين يديه إذ دفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة بغالية، فقبلتها وإنصرفت عن حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب، ثم خرجت جارية لها ومعها رقعة، فدفعتها إليه، فقرأها وضحك، وضحكاً كثيراً، ثم رمى بالرقعة إلينا فإذا فيها مكتوب:
يا طيب تفاحة خلوت بها تشعل نار الهوى على كبدي أبكي إليها وأشتكي دنفي وما ألاقي من شدة الكمد لو أن تفاحة بكت لبكت من رجفتي هذه التي بيدي إن كنت لا تعلمين ما لقيت نفسي فمصداق ذاك في جسدي فإن تأملته علمت بأن ليس لخلق عليه من جلد!
- حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني ملاوي عن علي بن الجهم، قال:
غاضب المتوكل محبوبة، فاشتد عليه بعدها عنه، ثم جئته يوماً، فحدثني أنه رأى في النوم أنها قد صالحته، ودعا بخادم، وقال له: أذهب، فاعرف خبرها، وأي شيء تصنع! فرجع وأعلمه أنها تغني ، فقال: أما ترى إلى هذه ! تغني وأنا عليها غضبان؟! قم بنا حتى نسمع أي شيء تغني؟ فقمنا حتى صرنا إلى حجرتها، فإذا هي تغني بهذه الأبيات:
أدور في القصر لا أرى أحداً أشكو إليه ولا يكلمني حتى كأني ركبت معصية ليست لها توبة تخلصني فهل لنا شافع إلى ملك قد زارني في الكرى وصالحني
"عن الإماء الشواعر" الأصفهاني ------------------------------------------------------------------------- رجاء زيارة موقع هذه المقالات فهو موقع غنى و ممنهج بتسلسل
موقع الفنان فلاح صبار http://www.rezgar.com/m.asp?i=691 فلاح صبار falahs@hotmail.com الحوار المتمدن - العدد: 1142 - 2005 / 3 / 20
-----------------------------------------------------------------------
ذكرنا ان القصيدة الكلاسيكية هي ابيات من الشعر منظومة على وزن واحد يحدده الشاعر وعلى قافية واحدة, ولا تعتمد عل نظام خاص في تلحينها ولا يشترط في وزنها الموسيقي مقياس محدد. تلحين القصيدة بين السنباطي ومحمد عبد الوهاب: كنا قد تحدثنا في الصفحات السابقة عن الفنان محمد عبد الوهاب واسلوبه في تلحين القصيدة .ان هذا الفنان والحق يقال قد قدم للأغنية العربية خدمة جليلة حيث استثمر معرفته وفهمه للموسيقى العالمية وصبها في قوالب شرقية معتمدة . وعند التحدث عن ملحني القصيدة فلابد من الاشارة والتأكيد على الفنان الرزين باسلوبه الفني الرائع رياض السنباطي. لقد اخلص هذا الفنان حيث الزم نفسه بأن يكون علما للموسيقى , فأبدع في كل ما لحنة من قصائد وادوار ومونولوجات وطقاطيق , وتعلم العزف على العود وهو لم يتجاوز عقده الاول , وأخذ عن ابيه الفنان محمد السنباطي الكثير , حيث كان يصاحبه في سهراته وحفلاته في بلدته المنصورة وغيرها. لقد تابع السنباطي دراسته للموسيقى في معهد فؤاد الأول واصبح مدرسا لالة العود في المعهد ذاته بعد التخرج .
لقد طبع السنباطي لحن القصيدة بأسلوبة وشخصيته القوية , وبعمق فهمه للموسيقى الشرقية الاصيلة . ويقول البعض في باب المقارنة بين عبد الوهاب والسنباطي من الناحية الموسيقية في تلحين القصيدة وغيرها من ان : موسيقى عبد الوهاب في القصيدة وغيرها لام كلثوم استطاعت ان تصل الى "شارع الهرم"بسبب الايقاعات الراقصة القوية التي تحرك الجسد , فانحط مستوى الشعر واللحن ..بينما بقيت الحان السنباطي ابلغ تأثيرا بعيدة موسيقاه عن اجساد الراقصات ....!!!! يقول السنباطي في هذار الصدد: ان مايكتب للشعر يجب ان يظل محافظا على مستوى الشعر والشاعر واللحن والملحن, وان يحمى كل هذا من الانحدار, لأن كل ما يكتب للرقص لا يمكن ان ينطبق على الشعر حتى لو كان شاعريا, وما يكتب للشعر لا يجب ان ينحدر ابدا الى مستوى الرقص الرخيص الذي يسمونه "هز البطن". ان من يستمع الى قصيدتي "اغدا ألقاك وهذه ليلتي للفنان محمد عبد الوهاب وغناء ام كلثوم" يدرك المعنى الذي اراده النقاد في هذا المجال... " الأستاذ صميم الشريف..الغنية العربية.
يحق القول بأن تلحين القصيدة الحديثة يعد حكرا على السنباطي ومحمد عبد الوهاب وذلك لخبرتهما الطويلة ولاهتمامهما بها, ولتفردهما بالاسلوب اللحني المتميز , ولكن هذا لا ينفي مطلقا اسماء لمعت في هذا المجال كالأستاذ حليم الرومي وخاصة في قصيدتية " النيل وارادة الحياة لسليم الزركلي الشاعر السوري والشابي التونسي" . وتعتبر قصيدة ومضة على ضفاف النيل للزركلي شعرا..اول قصيدة عاطفية تضاف الى مقدمتها الموسيقية وبعض اجزائها اصوات الكورس.. وهناك قصائد لحنها الرومي لا تخلو من ابداعات متميزة لهذا الفنان الرائع " تلحين فكرة قصيدة البحيرة .... وهو نص عن مأساة الشاعر لامارتين عندما فقد زوجته بعد ان عربه " نيقولا فياض .. وقصيدة نجيب ليان "الميلاد" حيث كانت المقدمة الموسيقية تتضمن الهارموني واجراس كنيسة بيت لحم ." ان محمدعبد الوهاب بتجاربة المتعددة والناجحة في احايين كثيرة في تلحين القصائد اتخذ اسلوبا خاصا به قد يدعى المدرسة الوهابية. فهو لم يأخذ عن اسلوب تلحين القصائد القديم الكثير, فقد استفاد من العرض الصوتي ( وهنا اود الأشارة الى ان الكثير من الملحنين الذين يمتلكون صوتا واسعا وعريضا يلجأون الى تلحين الاغاني بما يتلائم وامكانياتهم الجيدة , فيخرج العمل الفني جميلا متعدد النغمات وينساب بشكل عذب .. وبالمقابل قد يكون هذا العمل الإبداعي ساكنا حبيس المكتبة الخاصة للملحن يبحث عن اصوات تؤديه ) . وقد تخلى عبد الوهاب عن وجوب وجود المقدمة الموسيقية التقليدية , ولم يحدد سبيلا واضحا قد يتبعه الموسيقيين من بعده , فكانت الحانه متغيرة دائما لا تستقر تحت اي قالب فني اللهم الا اعتماده الواضح جدا على مقام البيات والكرد !! وقد تحرر عبد الوهاب من الزام نفسه بالقالب الفني للقصيدة, فلقد اعطى لنفسه الحرية التامة في سبيل اضفاء احاسيسه لإعطاء ما يفهمه من النص الشعري وترجمته موسيقيا . والقصائد التالية دليل على انتقالات او قل القفزات في اسلوبه اللحني .." انطونيو .. خدعوها ..تلفتت .. الكرنك.. سجا الليل النهر الخالد والكثير الكثير."
اما السنباطي فقد فرّق بين نوعين من الغناء في القصيدة.. القصيدة التقليدية والحديثة التي يجب ان تواكب روح العصر وخلق قالبا جديدا. اما القصيدة التقليدية فهي التي تعتمد اساليب سبقه الاخرون فيها,ونستطيع ان نسوق امثلة على الاسلوب الحديث الذي اعتمده في تلحين القصيدة كألحانه في .. ذكريات.. انا لن اعود اليه من اجل عينيك واخريات. اما القصائد التقليدية اللحن فهن كثر ايضا .. سلوا قلبي .. سلوا كؤوس الطلا.. أغار .. ويبدو ذلك في اعتماده المقدمة الموسيقية القصيرة وتفرع اللوازم الموسيقية من نفس المقام الذي ابتدأ فيه ,ونادرا ما يبتعد عن هذا النهج. وبدت ملامح جديدة في تلحين القصيدة لدى السنباطي وخاصة بعد ثورتي تموز في مصر والعراق1952-1958 فجاءت الحانه بطعم موسيقي جديد وشكل آخر اختلف نسبيا مع ماقد لحنه سابقا ومنها .. مصر التي في خاطري..ثوار .. بغداد يا قلعة الاسود وغيرها. وقد اكتسب قالب القصيدة شكله المتين بفضل السنباطي فصار رصينا ساميا بخلاف القوالب الموسيقية الغنائية الاخرى كالموشح والدور وغناء الليالي التي خف بريقها وبدت كأنها لا تنسجم مع روح العصر الحديث وذلك لإهمال الموسيقيين في معالجتها وعدم التفكير في تطويرها.
أغنية سيد درويش1892 -1923:
لقد بدأ في عهد فنان الشعب الخالد سيد درويش عهدا جديدا لتأريخ الفن الغنائي والمسرحي , فقد ساهم هذا المبدع في النهوض بالموسيقى وطورها الى اغنية شعبية خالصة . لقد تابع السيد نهضة الموسيقى باقتدار واكمل مشوار من سبقوه في هذا المضمار. لقد سلّم الفنان عبدة الحامولي الاغنية ..اغنية عربية خالصة بعد ان ازال الأثر التركي من كلمات زائدة فرضت على الاغنية تمشيا مع واقع معاش حينذاك . وجاء سيد درويش ليكمل المشوار وجعلها اغنية عربية واقعية تعبر عن نبض و احاسيس الشارع بكافة شرائحه تمثل الحياة والجيل الذي كان يعيشه, فكانت اغانيه تلعب دورا مهما في قضايا التحرر الوطني والجهادي في مقارعة المستعمر والتحريض ضد الإستبداد.. "بلادي بلادي.. قم يامصري وغيرها من الاغاني العديدة" .
لقد كان سيد درويش فقيرا .. شعبيا عاش مع شرائح متعددة كالشيالين والبوسطجية والعمال والجرسونات والممرضين وغيرهم وقدم اعذب واهم الاغاني عن واقعهم المعاش وعن الامهم واحلامهم .
من اغانيه " الصنايعية":
ده الصبر أمره طال..وايش بعد وقف الحال
يللي معاك المال .. برضه الفقير له رب كريم
اولاد اوربا ما بيناموش.. عن الصنايعي ميعرفوش
سبع صنايع في ايدينا..والهم جاير علينا
ياما شكينا وبكينا..يا أغنيا ليه ماتساعدوش
ان سيد درويش كان قد عاش بروحه ووقته مع الساسة المصريين مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول, فاستمع لخطبهم الحماسية ضد الطغيان والاستعمار. قم يامصري .. مصر دايما بتناديك خد بنصري .. نصري دين واجب عليك انه فنان موهوب ويعد من المحدثين الكبار في الموسيقى العربية واستاذ المدرسة الحديثة حيث تتلمذ على يديه محمد عبد الوهاب وام كلثوم وغيرهم وقد نقل الاغنية من القصور الفخمة الى فئات الشعب الفقيرة –العمال والفلاحين وصغار الكسبة – معبرا عن الامهم و امالهم واحلامهم .
لقد كان درويش فنانا ساخرا من الفساد والحالة الأجتماعية التي سادت مصر كالرشوة والانحلال الخلقي, وقد عالج ذلك في مسرحية العشرة الطيبة.
طول ماورا خالتك الحاجة.. ( ماميش آغا) وقعتها طين هات يا عزايم هات يا كرايم .. اتابي بهايم عبد الدايم راحوا رشوة واخدين
وقد كان من مناصري فكرة المساواة بين الرجل والمرأة.
دا وقتك دا يومك .. يابنت اليوم قومي اصحي من نومك .. بزياده كفي النوم وطالبي بحقوقك .... واخلصي من اللوم
لقد قدمه الفنان سلامة حجازي الى جمهور القاهرة عام 1916.. حيث قدمه سلامة حجازي بما يلي: "احفظوا اسم هذا الشاب واذكروا اني فخور به معتز بفنه ولتعلمن نبأه بعد حين ..." وقدمه جورج ابيض عام1917 في مسرحية "فيروز شاه" وتتالت اعماله الموسيقية المسرحية بعد ذلك " العشرة الطيبة..البروكة ..شهرزاد ..فشر ..إش.. وقد لحن سيد درويش ما يزيد عن 20 مسرحية . لقد كتب الكثير عن هذا الفنان الخالد وقد اتفق على انه صاحب الفضل في تطوير الغناء الكلاسيكي والخفيف الدارج وكتب في الموشح والدور وغيرها. ان من اهم المفاصل في حياة سيد درويش الفنية هي استماعه في ليلة ما " لاوبرا عايدة للفنان الايطالي فيردي " مع اصدقاء له هم ..مصطفى صادق الرافعي وتوفيق الحكيم وزكي مبارك.. وكان درويش بعد ذلك ساهما فترة طويله, فسأله الرافعي: مالك يا سيد .. واخد بلعة؟ يعني بذلك الحشيش !!!! فأجابه درويش : لا .. انما اطربتني موسيقى هذا الايطالي .. ثم تابع : يجب ان اكتب موسيقى تطرب الايطالي والصيني والفرنسي كما اطربتني انا المصري موسيقى هذا الايطالي. وقد يكون هذا سبب رئيسي لسلوك سيد درويش الطريق الذي اختطه لتطوير الاغنية العربية. لقد كان سيد درويش بحق فنانا مبدعا يمتلك رؤية تنسجم مع غالبية طبقات المصريين المسحوقة اقتصاديا واجتماعيا, وقد ظهر ذلك من خلال اغانيه الباقية والمتجددة في ضمير الانسان المتذوق للاغنية العربية . وبملاحظة بسيطة يمكننا مواجهة هذه الحقيقية , وذلك عند الرجوع الى فنانين وهمين في تاريخ الأغنية العربية عندما تناولا موضوع الفلاح حيث يقول محمد عبد الوهاب في الاغنية:
محلاها عيشة الفلاح..... مطّمن باله مرتاح !!!!!!!!!!
ويقول سيد درويش: طلعت يامحلا نورها..شمس الشموسه يللا بنا نعمل نحلب ..لبن الجاموسه قاعد ع الساقية ياخلي..اسمر وحليوه.. عوج الطاقية وقاللي..حلو ياعروسه
-----------------------------------------------------------------
مقاربة لسمات الاغنية العربية وتكوين التعبير الفني 4 :
من الواضح وجود عوامل متعددة بينّاها في الصفحات السابقة من هذه السلسلة ساهمت بشكل واضح في تشكيل بدايات التعبير الغنائي. وهذه العناصر التاريخية ساعدتنا في تلمس و رسم صورة تقارب الى حد
ما ,الى ماكان يؤدى من الغناء والموسيقى في العصور المتلاحقة في المجتمع الإسلامي العربي .
وأما في الأندلس.. وما ادراك ماروعة الأندلس !! فلها الفضل الكبير في وصول الإبداع العربي والإسلامي الى اوربا, مع ازدهار العلم والثقافة والفن على ضفاف دجلة والفرات إبان العصر العباسي,وروعة معبد وابن سريج وابن مسجح في العصر الأموي من قبل الذي حمله الأمين زرياب. واستوعب زرياب في مكانه الجديد الأدلس , ماجاء به المغاربة من تراث موسيقى البربر اضافة الى ماكان موجودا اصلا حيث كانت الموسيقى القوطية الأسبانية. فتبلورت عندئذ معالم مدرسة موسيقية عربية قد نسميها الموسيقى الاندلسية الآن. ان الموسيقى التي تحتضن عناصر التطور كإ نفتاحها على عوالم جديدة واستيعاب المعايير الحديثة هي الباقيةوالتي ستبقى, وهي المتميزة وهي التي تصل الى المدى الأشمل في هذا الكون الرحب.
ويؤكد المؤرخون ان العرب، بعد فتحهم الاندلس،قد نقلوا معهم الى اوروبا الشعر والموسيقى فيما نقلوه من ثقافتهم وعلومهم،بعد ان استقروا فيها حقبة من الزمن حيث كانت نواحي الشعر والموسيقى قد تهذبت واستقرت وارتقت. وبدأ الغناء العربي يتخذ وجوده الموسيقي الواضح الملامح كغناء متقن , وخير دليل لدينا هو استمرارية الموشح الأندلسي بمدارسه المغاربية والمصرية والحلبية .
• زرياب ( الطائر الغرد) .... طاقة إبداعية شاملة لا متناهية :
يعتبر زرياب رائد التجديد بدون منازع , وهو عبد معتق من أصل فارسي حيث تتلمذ على يد اسحق الموصللي. ان زرياب رجل واسع الثقافة والدراية بخلاصة الأصول الفارسية والهندية واليونانية, وهو الذي أضاف الوتر الخامس على عود اسحق, واستحدث مضرابا من قوادم النسور للضرب على الأوتار بدلا عن الخشب. ثم جعل اوتار العود من الأمعاءووضع قاعدة للغناء حيث كانت قاعدته سببا قويا في اختراع الموشحات. وقد اشتهر بذوق جمالي رفيع وبحس موسيقي رهيف. ومنذ انتقال زرياب الى الأندلس انتقل العود الى الممالك الأوربية. لقد نشأ ابو الحسن علي بن نافع " زرياب" في بغداد وفاق استاذه اسحق فنا حتى شاع خبره وعرف امره الرشيد فطلبه ونادمه وسأله عن معرفته بالغناء فأجابه زرياب :أحسن ما يحسنه الناس, وأكثر ما احسنه لا يحسنونه مما لا يحسن الّا عندك, ولا يدخر الّا لك فإن أذنت لي غنيت مالم تسمعه أذن قبلك. فلما أذن له الرشيد غناه:
يا أيها الملك المأمون طائره هارون راح اليك الناس وابتكروا....
ثم دخل الحسد قلب اسحق الموصللي فاختلى بزرياب فهدده بالموت أو الخروج من العراق مقابل تسهيلات مادية مالية,فرحل. ومن حسنات هذا النفي ان كانت هناك حسنات لإقتلاع الفنان من تربته واحبائه, أن اصبح الغناء العربي والموسيقي ذا شأن رفيع.واصبح الغناء الأندلسي منارة اشرق على العالم الآخر سناها واحدث انقلابا جذريا في موسيقى شعوب اوروبا . يقول"رولاند رايس": ان كبار عباقرة الموسيقى الكلاسيكيين الغربيين لا يصلون الى العبقرية والعظمة الّا اذا خرجوا عن القواعد المحلية وأدخلوا على موسيقاهم ذلك العطر الشرقي الساحر.
وقد سنحت لي الفرصة ان اطلع على مقال يتحدث عن عبقرية وكمال زرياب الفني استنادا لما جاء في كتب التراث ومنها نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للتلمساني : حيث أنشأ ما يمكن اعتباره مدرسة يعلم فيها الشباب والفتيات أصول العزف ومبادئ الغناء ، وأصلح زرياب الدفوف والمزامير وأحكم صنعها وابتكر الفرق الموسيقية التي تجمع بين العازفين والمنشدين ، وهو أول من أنشأ ما يسمى المسرح الصغير الذي تجلس عليه الفرقة الموسيقية وكان يسمى (الستارة) وقد هاجر زرياب إلى بلاد المغرب ثم الأندلس ، وفي مدينة قرطبة استقبله الأمير عبد الرحمن الأوسط استقبالاً طيبا وما أن استمع له حتى طرب طرباً شديداً لدرجة أنه أسكنه بيتاً متصلاً بقصره لكي يستدعيه لمجلسه وقتما يشاء . وفي الأندلس لم يقتصر تأثير زرياب على مجال الموسيقى والغناء بل علّم الأسبان الأوروبيين (الأندلسيين) كيفية ارتداء الملابس التي تتناسب وفصول العام ، وعدل من هيئات الثياب فقصّرها وضيّق الأكمام وأعطاها هيئة جميلة كانت موضة العصر ، وللعلم كان زرياب شخصياً رغم سمار وجهه الذي يميل للسواد عنوان الأناقة في عصره .. وهو الذي علم الأندلسيين فنون الإتيكيت .. وعلمهم كيف يقصون شعورهم ويقومون بتقصيره جداً عند الجانبين ، وإرساله خلف الأذنين ، وابتكر للنساء تصفيفات جديدة عرفت باسمه ومنها طريقة حلاقة الصف الأمامي مما يعني إنزال الشعر على الجبين مع قصّة في موازاة الحاجبين ، كما تفنن زرياب في تحضير أرقى أنواع العطور من الزهور مباشرة مبتعداً عن الدهانات وعطورها .. كذلك أدخل زرياب تقاليد المشرق الإسلامي في الطعام ، فحسن لهم إعداد أطباق وأصناف جديدة عرفت بإسمه وصناعة الحلويات ومنها الزلابية ، كما علمهم فرش المناضد واستخدامها في إثناء الطعام بالإضافة إلى استخدام الملاعق والشوك والسكاكين بدلاً من الأصابع ، وابتعد بهم عن الأصناف التقليدية كالعصائد والثريد إلى الأشكال والألوان التي عرفها أهل الشرق وإلى جانب هذا التأثير في الأنواع كان أيضاً أسلوبه الذي قلده الناس في كيفية تقديم الطعام في الحفلات ، حتى غدت أساليب زرياب نموذجاً يتبعه كبار القوم ، وتسارع الناس إلى تقليد أساليبه وموضاته المتعددة .
وقد جاء في" نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب للمقري التلمساني" ايضا: قال الرشيد لإسحق: هذا طلبتي، فأحضرنيه لعل حاجتي عنده، فأحضره، فلما كلمه الرشيد أعرب عن نفسه بأحسن منطق وأوجز خطاب، وسأله عن معرفته بالغناء، فقال:
نعم أحسن منه ما يحسنه الناس، وأكثر ما أحسنه لا يحسنونه، مما لا يحسن إلا عندك ولايدخر إلا لك، فإن أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك، فأمر بإحضار عود أستاذه إسحاق، فلما أدني إليه وقف عن تناوله، وقال: لي عود نحته بيدي وأرهفته بإحكامي، ولاأرتضي غيره، وهو بالباب، فليإذن لي أمير المؤمنين في استدعائه، فأمر بإدخاله إليه، فلماتأمله الرشيد وكان شبيهاً بالعود الذي دفعه قال له: ما منعك أن تستعمل عود أستاذك؟
فقال: إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي غنيته بعوده، وإن كان يرغب في غنائي فلا بدّ لي من عودي، فقال له :ما أراهما إلا واحداً، فقال : صدقت يا مولاي، ولا يؤدي النظر غيرذلك، ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده ومن جنس خشبه فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه، وأوتاري من حرير لم يغزل بماء سخن يكسبها أناثه ورخاوة، وبمها ومثلثهااتخذتهما من مصران شبل أسد، فلها في الترنم والصفاء والجهارة والحدة أضعاف ما لغيرهامن مصران سائر الحيوان، ولها من قوة الصبر على تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها، فاستبرع الرشيد وصفه وأمره بالغناء، فجس، ثم اندفع فغناه: يا أيّها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا
وكان زرياب عالماً بالنجوم وقسمة الأقاليم السبعة واختلاف طبائعها وأهويتها وتشعب بحارها وتصنيف بلادها وسكانها، مع ما سنح له من فك كتاب الموسيقى، مع حفظه لعشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها، وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلفها.
وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب،
ولطف المعاشرة، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم
يجده أحد من أهل صناعته، حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنّه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوباً إليه معلوماً به.
يبدو جّليا لنا وبعد ملاحظة الحقب الزمانية والمكانية التي مر بها العرب, ان ملامح التعبير الغنائي بدأت تتشكل وتتبلور حيث كانت أساسا اعتمد عليه اللاحقون من المغنين- وإن كانت لا تشمل كافة المعايير الجمالية - اقول بدت لنا الملامح هذه تأخذ اشكالا مختلفة , حيث اعتمدت على اتساع الدولة العربية نتيجة فتوحاتها من ناحية , وعلى وجود مغنيين أخذوا و تأثروا بما احاطهم من ابداعات الآخر, حيث أقاموا تحت كنف المجتمع العربي بأشكال ومسميات متعددة ,اذ كان العبيد و القيان لهم الدور المتميز في إثراء الغناء العربي القديم من ناحية اخرى . ويمكننا ان نلخص أهم اشكال التعبير الغنائي استنادا على الصفحات السابقة التي شملت شيئا من التفصيل.
- في العصر الجاهلي كان الغناء في نغمة واحدة ، و لم يعرف التأليف الموسيقي. والنوع الوحيد الذي يمكن اعتباره تأليفا موسيقيا هو تلك الأنغام التي تبعثها آلات القرع المختلفة، كالطبل والدف والقضيب. أما الآلات الموسيقية التي انتشرت ، فأهمها آلات ضبط الوزن، وأكثرها انتشاراً الصنوج والجلاجل. و آلات الزمر. - كان الغناء يؤدى على طريقة الترجيع والجواب, حيث تؤدى حروف المد في نهايات المقاطع الغنائية بطريقة الترعيش. - كان غناء العرب في جاهليتها , الحداء والنَصب والسناد والهزج، ويجري ذلك مجرى الانشاد أي قراءة منغمة ومصوته. والغناء الخفيف هو الذي يُرقَص عليه، ويُمشى بالدُفّ والمزمار، ويسمونه الهَزَج. وكانوا يسمون الترنم بالشعر غناء، وأكثروا من النغمات والنبرات،وسمّوه السِناد. وأما النصب فغناء الرُكبان، وهو يشبه الحِداء، إلا انه أرقّ منه واكبر أثرا في النفوس. - نظم الشعراء اوزانا تناسب التأليفات الموسيقية ,مما ساعد على خلق اساليبا جديدة للتعبير في الغناء. - كما دخل الغناء الموزون والغناء الجماعي بعد ان كان فرديا في هذه المرحلة . وكان للميلاء وجميلة الفضل في هذا. - أدخل نشيط الفارسي الذي يعتبر ملهما للآخرين في غنائه الرقيق و بعده سائب خاثر الغناء الدارج الى اللغة العربية. - أضاف طويس الى الغناء..الإيقاع الخفيف الحركة الذي يعطيه الهزج, و ابن سريج الغناء الثقيل, وابن محرز الذي حرر اللحن من إطار البيت الشعري ذي المقطع الواحد. - ظهور الأغنية الفردية إبان الدولة الأموية التي كانت تؤدى بمصاحبة العود وظهور منشد البلاط أو منشد القصر, وظهورايقاعات جديدة استعملت في هذا العصر ومنها 10/8 وكذلك "خفيف الثقيل" ووزنه 6/8. وبروز أهمية اللحن والإيقاع والزخارف اللحنية في موسيقانا العربية وكثرة استعمال الآلات الهوائية الخشبية، حيث المزمار يعزف لحن الأغنية يرافقه العود، وكذلك اصطحبوا الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فظهرت بوادر الفرقة الموسيقة. - في العصر العباسي بلغت الموسيقى ذروة مجدها من ناحيتي الأداء الغنائي وانتشار العلوم والبحوث والدراسات الموسيقية. حيث كان الكندي قد ذكر استعمال الرموز والأحرف الأبجدية للتدوين, فكان أول تدوين موسيقي عرفه العرب. - كان القالب الموسيقي المعروف هو نوع من المتتبعات الغنائية تسمى النوبة، وهي عبارة عن متتاليات تتكون من عدة أجزاء يسبق كل جزء منها افتتاحية موسيقية خاصة. وقد أتاحت هذه الطريقة لعازفي الآلات فرصة الأداء الآلي المتتابع. وتمت بعد ذلك مرحلة مهمة هي بدء تقديم هذه المتتبعات بأداء موسيقي مرتجل تمخضت عنه التقاسيم الموسيقية التي ترتجل على الآلات العربية والتي لا تزال حتى اليوم مصاحبة مصاحبة الموال. - استخدمت في هذا العصر أول آلة موسيقية ذات القوس وهي الرباب. وكان القوس حينئذ يشبه القوس المستخدم في الحروب. - اضاف منصور زلزل وترين جديدين على العود الفارسي الذي كان بوترين فقط. - وفي الأندلس أضاف زرياب الوتر الخامس للعود. - وفي الأندلس ايضا اعتمد التعبير الفني اشكالا جديدة اخذت عن الموسيقى القوطية الأسبانية وموسيقى جنوب الأبيض المتوسط إضافة لموسيقى البربر. - وصول الغناء الى مرحلة متقدمة وذلك من خلال ابتكار الموشحات الأندلسية. يتبع ------------------------------------------------------------------------------ فلاح صبار falahs@hotmail.com الحوار المتمدن - العدد: 1221 - 2005 / 6 / 7
" ان الثورة على القوالب الفنية لمجرد الثورة لا يمكنها ابدا ان تخلق فنا جديدا"
براهمز
( 15 )
هناك سؤال يؤرق الباحثين في شؤن الموسيقى والغناء , لم يجد جوابه الشافي , وان لامست بعض الآراء والإجابات لأولئك المختصين وجه الحقيقة القائلة , بأن الاغنية العربية لم تقدم الجديد ولم تكن بمستوى الطموح . فقد ظلت الأغنية قانعة قابعة بمكانتها المحلية التي ارتضته لنفسها, من كونها حبيسة بيئتها وموقعها الجغرافي. ولا أدّل من هذا سوى سهولة تمييز المتلقي العربي للأغنية العربية وردّها لمناخات منشأها الإقليمي , ثم التحديد و القول بأن هذه الأغنية مصرية او شامية او عراقية او مغاربية , حيث تلعب اللهجات دورا كابحا لإنتشارها في عموم البلدان العربية , كما ان عدم ادراك الموسيقي العربي لدوروأهمية التجارب العالمية المتطورة في المضمار الموسيقي يسبب عائقا رئيسيا في عدم انتشار الأغنية العربية الى الأمم الأخرى , الا من استثناءات متواضعة لبعض الفنانين العرب. والحقيقة تقال بأن الأغنية العربية وعلى مدى اكثر من 70 عاما لم تطرق ابواب العالم وإقتحامه , فلم تحصل على جواز سفر لرحلتها عبر البلاد الأوربية والأمريكية وغيرها من البلدان المتطورة في هذا المجال. فلا الدولة اهتمت بهذا اللون المهم من بساتين الإبداع, ولم يكن فناننا يمتلك عنفوان الطموح لإختراق الحواجز الطبيعية والمصطنعة..ولم تعين وسائل الإتصال الحكومية والخاصة المهتمة بالشأن الثقافي والفني الخالص الفنانين المتحمسين على قلتهم لتحقيق حلمهم الخاص .. حيث هذه الأخيرة لاتمتلك الوسائل التي تمتلكها الدولة. فلعبت العلاقات الخاصة بين القائمين على الشأن الثقافي والفني وما جرى وما يجري من الصفقات المشبوهة دورا ساهم في توصيل الفن السئ الى عشاق هذا الفن الجميل.وفي الحقبة الزمنية القريبة التي عشناها ونعيشها الآن من خلال ثورة الاتصالات وما اتبعها من انشاء الفضائيات العربية تلعب هذه الاخيرة لعبة خطرة في تسويق اردأ ماينتجه تجار الموسيقى والغناء وما يسمى بالفنان الحالم ببريق الشهرة الوقتية, حيث لا مضمون ولا شكل ولاطعم ولاهدف سوى جني الأموال وحب الشهرة الزائفة التي سرعان ما تذوب كفقاعة صابون . وهناك من يقول ,ان الأغنية العربية في خير وربيع.. والجو بديع !!! وحجتهم في ذلك هي .. سهولة مشاهدتهم الأغنية العربية من خلال قنوات التلفزة الفضائية وعلى مدار الساعة والتي قدمتها التكنلوجيا المعاصرة , وهم جالسون على ارائك صالوناتهم المنزلية والمكتبية وحتى في مواقع عملهم . لقد توهموا بأن العالم جميعه يشاركهم هذه المتعة في المشاهده , ان هذا الرأي ان دل على شئ فإنما يدل على عدم إدراك القائلين بهذه القولة لوظيفة الفن ورسالته وطيرانه اللامحدود في ارادة وعقل وروح الفنان .هذه الرسالة التي من خلالها ان تساهم في بناء المجتمعات وتقويمها وثورتها على المفاهيم المتخلفة السوداء. ان الغناء والموسيقى الكلاسيكية الراقية في العالم تقوم على أسس وقواعد لا مناص منها , فالفيوغا والسوناتا والسمفونيات وغيرها من اشكال التأليف الموسيقي الغربي لها شكلها الذي استقر بعد تجارب عديدة اي بعد مرورها بفترات زمنية طويلة من الدراسة والتفكير العميق لدى الفنان , حتى استقرت بشكلها النهائي الذي وصل الينا وأصبحت اقرب الى الأشياء المقدسة لدى المهتمين بالموسيقى والمبدعين من عمالقة التأليف الموسيقي ( هايدن , بتهوفن , باخ واخرين ) . وهذا ينطبق ايضا على التأليف الموسيقي العربي والشرقي عموما كالسماعيات والبشارف وتاج الموسيقى العربية الموشحات, وقد أهمل فنانونا للأسف المبادرات والتجريب والإستفادة من تجارب فناني العالم المتطور في هذا المجال...كي ننهض بموسيقانا العربية. هناك حيرة حقيقية تتملك المهتم في الشأن الموسيقي والغناء , عندما يفجر رأسك قائل بان الزمن تغير وان هناك حاجة لرفض القوالب الموسيقية القديمة , او تقتحمك الفضائيات العربية وأحدهم ينظّر لمقولة غريبة يدعو فيها الى ثورة في الموسيقى من خلال اغنية تؤلف وتلحن خلال24 ساعة فقط لاغير.. وحسب الطلب ..وزورونا فستجدون ما يسركم ... ثم من مسك دفا وصرح بأنه ولادة جديدة لملحن لا يشق له غبار وهو لايفقه مقاما وسلما موسيقيا واحدا اضافة لإفتقاده الحس الإيقاعي الذي هو من اهم مميزات الموسيقى !!!! أو ادراج ايقاعات مثلا لا تتناسب مع الكلمة.. ان كانت هناك كلمة حقا !!! ثم رفض والغاء كل شئ جميل في موسيقانا . اقول ,هناك حيرة في فهم ما ينادي به هؤلاء الدخلاء على العملية الإبداعية , من رفض لكافة موروثاتنا الفنية الموسيقية التي هي نتاج شعوب توحدت في مناخ متشابه وموقع جغرافي محدد . هناك الكثير من الأغاني التي أرقت المبدعين كي تقدّم على طبق من ذهب للمتذوق والمستمع العربي ,كأعمال السيد درويش والقصبجي والسنباطي وآخرين والذين لهم رؤيا خاصة في التطور!! ولقد جهل القائلون بهذه الآراء التي ترفض الأشكال الموسيقيةالعربية الموروثة , الحقيقة والسياق التاريخي لمفهوم التطور. ان الموسيقيين الأوربيين عند احتدام الصراع بين الكلاسيكيين والرومانتيكيين الرافضين للقوالب الموسيقية القديمة , اقول ان الرومانتيكيين اضطروا للتعبير عن ارائهم وافكارهم من خلال الشكل التقليدي للموسيقى ولكنهم أبدعوا في الوقت ذاتة اساليب جديدة اصبحت فيما بعد قواعد اساسية في التأليف الموسيقي والغنائي , دون الغاء للقوالب القديمة. فالموسيقى تحتاج دائما لافكار حديثة منسجمة مع روح العصر, وبغض النظر عن القوالب الموسيقية حديثة كانت ام كلاسيكية.
ومن هنا يمكننا القول بأن الغناء العربي قد أتخذ سماته واشكاله بعد فترة طويلة إثر تلاقح الحضارات الشرقية كالهندية والفارسية وغيرها. وقد ازدهرت الفنون جميعها في العصور الإسلامية لا سيما في العصر العباسي والأندلس, وبدأ الخط البياني للغناء والموسيقى يتصاعد في العصر الفاطمي وخصوصا في مصر. وبعد زوال الدولة الفاطمية في مصر انتكست الفنون في العهد الأيوبي تحت وطأة الحروب بخاصة ما تسمى الحروب الصليبية . الا انها عادت للإنتعاش في زمن محمد علي في مطلع القن التاسع عشر في مصر ايضا . لقد كان الغناء قاصرا على القصائد ومنها الدينية, والموشحات , التي لم تنقطع روايتها وغنائها بين المغنين في الأندلس والمغرب ومصر. وتفنن الجميع في ادائها وتلحينها حيث انتقلت من الأندلس الى المغرب بعد مشوار طويل قطعه الفن الأندلسي في ظروف صعبة منذ سقوط غرناطة .وفي عام 1987 كتب رولاند رايس اليهودي الجزائري وابن الأديبة اليسا رايس أن الانتشار الكبير الذي عرفته الموسيقى الأندلسية في أوروبا الغربية عندما كانت الأندلس في قمة حضارتها يعبر عن قوتها العالمية البعد، ويؤكد بكل ثقة وافتخار أن الأندلس الإسلامية هي الأم الملكة الأصيلة للموسيقى الحديثة حتى في هذا الغرب، وهذا شرف كبير للإسلام الذي افتتح عهد الحداثة.. ورولاند رايس عندما يتحدث عن الغناء والموسيقى الأندلسيين يفعل ذلك بقداسة وإكبار يعبران عن حب وتقدير عميقين لهذا الفن العتيق من طرف فنان خبير وعارف بعالم الموسيقى حتى يبدو وكأنه يتحدث عن الغناء وعن نصوص روحية دينية لأحد الأديان السماوية. ورغم مرور القرون على ذلك الزمن وعلى البدايات الفعلية لاكتشاف الأغنية الأندلسية لم يطرأ أي تغير يذكر باستثناء ضياع ثمانية إيقاعات من أصل أربع وعشرين إيقاعا هي التي تتكون منها الموسيقى الأندلسية التي تتناسب كل واحدة منها مع ساعة من الساعات الأربع والعشرين لليوم.. منذ 1391 بدأ المسلمون يتراجعون في الأندلس, وقد فر آلاف المسلمون واليهود من قشتاله والبانيار إلى المدن الساحلية بالمغرب الأقصى والجزائر , ومع هذه الحركة الديمغرافية انتقلت ثقافة وحضارة بأكملها إلى الضفة الجنوبية من المتوسط وكان من أجملها في عناصره البنائية الغناء والموسيقى الأندلسيان بالموشحات والأزجال ومختلف الطبوع. في سنة 1492 سقطت غرناطة آخر معقل للمسلمين في الأندلس وتكرر بالتالي سيناريو اللجوء الجماهيري إلى المغرب العربي بعشرات الآلاف هذه المرة،وقد استقر عدد كبير من هؤلاء الأندلسيين في مدن الجزائرو قسنطينه وغيرها , ومع هؤلاء تجذر الفن الأندلسي وتداوله الناس أبا عن جد. ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان الغناء الأندلسي في المدن الجزائرية الكبيرة والمتوسطة في الشمال قد عرف انتشارا جماهيريا واسعا وأصبحت له الصدارة بين أنواع الموسيقى الأخرى. "عن مجلة العربي" وقد تابعت الموشحات رحلتها الطويلة حيث وصلت الى مصر ثم المشرق , فظهرت المدرسة الحلبية والتركية التي يمكن اعتبارها الأهم في الوقت الراهن وبعد غياب عباقرة ملحني الموشحات الحلبيين ..علي الدرويش.. والعقيلي واخرين , حيث حافظت ولا تزال على سمات الموشح الرئيسية إضافة الى جهد الفنانين الأتراك لإضافات جميلة سواء من ناحية الإيقاعات المتعددة أوالتركيز على روح الموشح, وخاصة في مجال التوزيع الموسيقي البديع. لقد وصلت الموشحات الينا دون انقطاع للأسباب المذكورة اعلاه بعكس القصيدة الغنائية الأموية والعباسية التي لايعلم احد و بشكل دقيق شيئا عن قوالبها وأشكالها الموسيقية وذلك بسب انقطاع روايتها وغنائها بين الأجيال المتعاقبة. وهنا تحسب للحملة الفرنسية على مصرتدوينها للأشكال الموسيقيةالعربية كما شاهده علماء الحملة , فدوّنوا في هذا المجال غناء العوالم والغوازي,والمتشردين,والبهلوانات, والموسيقى العسكرية , والآذان وحلقات الذكر,والآلات المصرية القديمة والبدائية , ودونوا الموشحات والمقامات الموسيقية العربية وايقاعاتها وذلك في اعوام1798 – 1801م .وطبع هذا الكتاب مطلع القرن التاسع عشر. "الاغنية العربية..صميم الشريف". وجدير بالذكر هنا ان الموشحات انتقلت الى مصر عام 1840م عن طريق الفنان الحلبي شاكر الحلبي, وفي عام 1857 تشجع عدد من الموسيقيين المصريين في البحث عن تراثهم من الغناءالعربي القديم فاعتنى الشيخ عبد الرحمن المسلوب بفن الموشحات ثم محمد عثمان فداود حسني والخلعي وسيد الصفتي واخرين. كما اهتم الفنان الخالد سيد درويش بالمسرح الغنائي والأدوار حيث لحّن 10مسرحيات منها شهرزاد والعشرة الطيبة والبردة اليتيمة وغيرها ولحّن اروع الأدوار ومنها "انا هويت" و "ضيعت مستقبل حياتي" ومن الموشحات"يا شادي الألحان و منيتي عز اصطباري وغيرهما ". وتميزت حلب بموشحاتها والقاهرة بالأدوار. وقبل استعراض اشكال الموسيقى والغناء العربي لابد من الإشارة الى ان هناك نوعان من الغناء العربي هما :- 1-الغناء الكلاسيكي .. الموشح ..الدور ..القصيدة ..الموال.. ويتميز هذا النوع من الغناء بايقاعات ثقيلة ومركبة احيانا . 2- بقية انواع الغناء ومنها ..المونولوج ..الطقطوقة.. الديالوج ..اغاني الأعراس ..الأغنية الشعبية وغيرها. كما يمكننا اضافة اشكال للتأليف الموسيقي العربي والأسلامي ومنها البشارف والسماعيات والدواليب وغيرها.
استراحة: في وصف القيان والمغنين: قال أبو عثمان السرقسطي الملقب بالحمار: لا عيشَ إلاَّ في المدامِ وقينةٍ تشدُو علَى وَتَرٍ فصيحٍ ألثغِ تُعنَى بتقديرِ الزَّمانِ ومسحِهِ فيجيء بين مُملأٍ ومُفرَّغِ وكأنَّما نغماتُها في لفظِها ذَهَبٌ أُسيلَ علَى لجينٍ مُفرَغِ وإذا نظرتَ إلى محاسنِ وجهِها ناديتَ يا قمرَ السَّما لا تبزُغِ
--------------------------------------------------------------------------
رجاء زيارة موقع هذه المقالات فهو موقع غنى و ممنهج بتسلسل
موقع الفنان فلاح صبار http://www.rezgar.com/m.asp?i=691 فلاح صبار falahs@hotmail.com الحوار المتمدن - العدد: 1142 - 2005 / 3 / 20




